هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 20 نونبر 2013 (1-2-3

كتبه الأزمنة · 2014 – 05 – 16

عبد الله العروي: التدريس بالدارجة يروم تقويض الوحدة الوطنية ج1

 Source: https://alazmina.com/2014/05/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D8%A9/

أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 20 نونبر 2013

  • قلتم قبل انطلاق الحوار إن موضوع التدريس بالدارجة المغربية هو الذي أخرجكم من المخبئ حيث تقبعون. كيف ذلك ؟

أخرجني من مقبعي لأنني أنظر إلى أبعاده التي تروم تقويض الوحدة الوطنية. هذه قناعتي الراسخة في ما يخص موضوع التدريس بالدارجة. سبق لي منذ شهرين، أن تحدثت في هذا الموضوع مع ابن شقيقي الكاتب فؤاد العروي المغترب في هولندا، و قلت له صراحة أنا لا أتفق معك في ما كتبته حول الدارجة، و أن هذه القضية أنجزت حولها بحوثا، و أعلم أنه لم يطلع على ما كتبته في كتاب « ديوان السياسة » حيث لخصت جميع آرائي حول الدارجة، و قدمت له أمثلة لا تعد و لا تحصى لأبين له أن هذه القضية لن تطبًّق، و أن نتائجها ستكون عكس ما كان يتوخى منها، و أنها تقوم على خلط كبير.

  • ما هو هذا الخلط ؟

الدارجة لكي ترسم يجب أن تكتب بحروف مناسبة. ما هي هذه الحروف ؟ إما أن تكتبها بالحرف العربي و إما أن تكتبها بالحرف اللاتيني، لكن إذا اخترت كتابتها بالحرف اللاتيني فعليك أن تخلق حروفا جديدة كما فعل الأتراك لما اختاروا كتابة اللغة التركية بالحرف اللاتيني، و حتى عندما تنجح في هذه المهمة، فهل هذا ممكن أو غير ممكن. إذا كان ذلك ممكنا فحينها ستستقل الدارجة و تصير لغة قائمة الذات، و تنفصل حينئذ عن اللغة الأم. هذا ما حصل في جميع البلدان التي انفصلت فيها اللغات الشفوية عن اللغة الأم. هذا موضوع يهمني و أهتم به كثيرا، و يحتاج مني إلى ثلاثة أيام و ليس إلى ثلاث ساعات.

  • لنعد الآن إلى أصل هذا النقاش ككل، لنعد إلى توصية التدريس بالدارجة.

إذا كانت النقطة الأولى تتمثل في مشكل التلميذ الذي يلتحق بالمدرسة، و تمر عليه خمس سنوات و لا يحسن لا القراءة و لا الكتابة مقارنة بالتلميذ الإنجليزي أو الفرنسي و الإسباني. إذن المشكل المطروح هو قضية التواصل، و هنا تدخل توصية التدريس بالدارجة المغربية التي خرجت بها ندوة « سبيل النجاح ». لكن يا سادتي، التواصل هو موضوع الشفوي و الثقافة الشفوية لها آلاف السنين لما انفصل الإنسان عن الحيوان، و وقف على قدميه و صار يستعمل يديه و يشتغل بهما، و بدأ يستعمل حنجرته في إنتاج الأصوات. هنا دخل الإنسان في الحضارة الشفوية، التي لها تعابير مختلفة و مواصفات خاصة بها، ثم دار الزمان و انتقل الإنسان منذ سبعة آلاف سنة إلى مستوى الكتابة أو استعمال الرمز في بلاد الرافدين. لا غرض لنا بالدخول في تفاصيل هذا الموضوع، ما يهمنا أن الشفوي لم ينحسر و لم ينته أمره بانتقال الإنسان إلى عهد جديد هو عهد الكتابة، بل على العكس، استمر في الوجود إلى جانب الكتابة. استمر الشفوي في الوجود على مستوى معين، إما على مستوى العائلة أو القبيلة الصغرى أو الكبرى، ليضمن التفاهم على هذا المستوى، إذ لا يمكن التفاهم مع قبيلة أخرى أو منطقة أخرى، خارج القبيلة. لضمان التفاهم مع هذا الخارج لابد من الرمز، الذي هو الكتابة، و الكتابة هنا كانت إما مسمارية أو هيروغليفية، و إما أبجدية أو فنا، و كما فعل ذلك الملك في حكاية ألف ليلة و ليلة، لما حلق شعر شخص بكيفية مخصوصة و أرسله إلى الشخص المعني على أساس أن تلك الكيفية في حلق شعره رسالة موجهة إليه، و عليه أن يقرأ رمزها و يفهمه. ما أريد قوله هنا إن انفصال الإنسان عن الحيوان لم يلغ حيوانية الإنسان، و لكنه أضاف إليها شيئا آخر، كذلك الأمر بالنسبة للكتابة التي لم تلغ الشفوي، و استمر هذا الأخير إلى جانب الكتابة. الكتابة أضافت شيئا جديدا إلى الشفوي.

  • هذه النقطة تحتاج إلى المزيد من التوضيح حتى يستوعبها القارئ.

نسمي المكتوب كتابا، و نسمي المدرسة كُتّابا، و المتعلم هو الذي يعرف الحروف و تعلم كيف يفك رموزها بقراءتها و فهمها. لذلك جاءت المدرسة، و هذه هي الغاية المتوخاة من المدرسة. المدرسة لا علاقة لها بالبيت، و المدرسة لا تربطها أدنى صلة بمسائل التفاهم خارج البيت و في الشارع. هنا تدخل رجل متخصص في الشفوي و أموره العينية، في شؤون المدرسة التي هي شؤون الكتابة، و لا علاقة لها بالشفوي و التواصل في البيت و الشارع. العربية هي لغة الكتابة، و لا دخل لها في شؤون التواصل في البيت و الشارع، و هي لغة المدرسة. إذا كان الطفل يبلغ خمس سنوات، و بدأ تفسر له الأمور تفسيرا شفويا، عليك أن تعلمه الرمز. ينبغي تعليم الطفل الرموز الكتابية. أقدم هنا مثالا نادرا ما يفكر فيه المهتمون بهذا الشأن، يتعلق الأمر بالموسيقى، و الموسيقى الشعبية على الخصوص، الجميع يعلم أن هذه الموسيقى تلقائية، و حتى يتم الحفاظ عليها ينبغي كتابتها حتى لا تضيع.

كتاب الأغاني للأصفهاني لم يدون الأغاني بالنوتة المعروفة الآن فضاعت تلك الألحان لأننا لا نعرف كيف نفك تلك الرموز التي كتبت بها الأغاني أيام العباسيين. الأمر نفسه بالنسبة للأوربيين الذين يجهلون كيف كان الغناء لدى الإغريق القدامى، لأن تلك الأغاني لم تكتب كتابة موسيقية تحافظ عليها، و تنقلها للأجيال.

  • ما علاقة هذا الكلام بالتدريس بالدارجة عوض العربية ؟

إذا سايرنا هذا المنطق، و أردنا أن نحافظ على موسيقانا المغربية، هل نقول « ماذا سنستفيد من تعليم الطفل و هو يتعلم رموز تلك الكتابة الموسيقية؟ لا غرض له بكل ذلك و لن ينفعه في تعلم تلك الموسيقى، يكفيه أن يتعلم تلك الأغاني تعلما شفويا » ! هل ستقبل هذا القول؟ ! لا فرق بين هذا المثال و قضية تعليم الطفل رموز اللغة المكتوبة. المشكل أننا لا نهتم بهذا الموضوع و لا نفكر فيه. ابني يبلغ خمس سنوات و ألحقته بالمدرسة و طالبت المعلم بأن يتحدث إليه بلغته التي هي الدارجة، ماذا سيعلمه بتلك اللغة ؟! هل سيتحدث المعلم إلى الطفل ليعلمه لغته التي تربى عليها و يتقن التحدث بها ؟! هل سيلقنه الكلام الذي يتكلم به؟! هذه هي الأسئلة التي لا يطرحها المطالبون بتعليم الطفل أمورا أخرى غير لغته التي يتحدث بها في البيت. سيعلمه القراءة و الحساب. سيعلمه الحروف و كيف يقرؤها و يربط بينها في الكلمات، و سيعلمه قراءة الأرقام و الأعداد. هذه هي مهمة المدرسة و دورها عندما يلتحق بها الطفل. دور المدرسة ليس هو تعليم الطفل اللغة التي يتحدث بها في البيت. أطرح هذا السؤال، ألا يقوم الأستاذ بتعليم الحساب و اللغات للطفل بالدارجة في المستوى الأول و الثاني و الثالث ؟ هل يعلمه ذلك بلغة سيبويه؟! و بالتالي فالدعوة إلى تدريس الطفل بالدارجة، إما هي زائدة، أو أن لها توخيات أخرى غير تلك المعبر عنها في الظاهر، و التي لا علاقة لها بالتعليم و لغته.

  • في هذه النقطة بالذات، كيف تردون على صاحب الدعوة إلى التدريس بالدارجة ؟

يمكن أن نتوجه إلى صاحب الدعوة إلى التدريس بالدارجة، و نقول له « نتفق معك في ما تدعو إليه، و سنتحدث في المدرسة مع الطفل الذي يبلغ عامه الخامس بلغته الأم، و سنعلمه كيف يقرأ و يكتب، يعني أننا سنعلمه الحروف، فهل هذه الحروف ستكون حروف الدارجة أم ستكون حروف لغة أخرى، إما العربية أو البربرية أو الإنجليزية؟ و سنعلمه رموز الحساب، و التمييز بين الرمز 4 و 5 أو 6، و نفسر له الفروق بينها و العمليات الممكنة بينها، سنعلمه كل هذا الدارجة، و سيقى المضمون هو الحساب. سيقضي الطفل ثلاث سنوات الأولى في التعلم بهذه الطريقة، و إذا قارناه بتلميذ إسباني في سنه، سنجد أنهما يتوفران على نفس المستوى. هنا لن يعترضنا أدنى مشكل على مستوى تدريس الطفل بلغته، و ليس هناك جهة تحارب تعليم الطفل بالدارجة في السنوات الأولى، و هذه الطريقة هي المعمول بها في المدرسة المغربية، و إذا اختار المسؤولون فرضها على المدرسين فلا بأس في ذلك، و سنلزمهم بألا يتحدثوا إلى الطفل عن الإعراب و النحو أو الصرف، و أي معلم خرق هذا الأسلوب في التعليم، سنخصم من أجرته نسبة معينة. عندما سيبلغ هذا الطفل عامه الثامن، سيكون قد أتقن الحساب و عملياته بالدارجة مثله في ذلك مثل البقال، و أتقن التعبير عن نفسه بلغته. أريد هنا تسجيل ملاحظة أراها غاية في الأهمية، و هي أن الطفل سيعبر عن نفسه أحسن بالعربية المعربة، و لكم أن تجربوا قراءة الدارجة مكتوبة بحروف عربية، فأكيد أنكم ستلاقون صعوبة كبيرة أثناء قراءة كلمات الدارجة. بل حتى كتابة الدارجة بحروف لاتينية لن يحل هذا المشكل، مقارنة بسهولة قراءة كلمات العربية المعربة.

  • من الأفضل أن نعود إلى ذلك الطفل و هو يتابع تعلمه بالدارجة.

أعود إلى الطفل و قد بلغ عامه الثامن، و قضى ثلاث سنوات في التعلم بلغته الأم، كيف سنتعامل معه ؟ هل نستمر في تدريسه بالدارجة ؟ هل نمر إلى تعليمه التربية الفنية و التربية العلمية و الثقافية ؟ ليس هناك مشكل من تدريس الطفل الموسيقى و الرسم بلغته الدارجة. أما بالنسبة للتربية العلمية فعكس ما يقال حول المشاكل التي تواجه العربية في تدريس العلوم، لأن التربية العلمية ليس لها مشكل مع أي لغة، لا مع العربية و لا مع الدارجة أو أي لغة أخرى، لأنها مبنية على رموز خاصة كالرقم 5 أو 6، و لأنها رموز كونية يستعملها الجميع، نحن في المغرب اخترنا الرقم العربي، بينما اختار المشارقة الرقم الهندي. كلما تقدم الطفل في التعلم كلما توسعت الرموز و تقدمت معرفته بها في الحساب و الرياضيات و علوم الحياة.

  • أين سيعترضنا المشكل بالتالي ؟

المشكل سيعترضنا في التربية الأدبية، لأن هذا الطفل الذي بلغ الآن عامه الثاني عشر، و علمته في السنوات الأولى بلغته الدارجة، و تقدم في مستويات تعلم الكتابة بالحرف العربي و حتى الحرف اللاتيني كما نادى بذلك بعض اللبنانيين، و صادر قادرا على كتابة الدارجة و قراءتها، هنا ستنقطع صلته بالعربية المكتوبة و نصوصها. يمكن أن ينجح في حفظ بعض الآيات القرآنية في حصة التربية الدينية، مثله في ذلك مثل أي تلميذ أوربي ينجح في حفظ مقاطع من الإنجيل باللغة اللاتينية، دون أن ينجح في فهم معناها. سيصير التلميذ هنا كأي مسلم غير عربي في ماليزيا أو أندونيسيا، ينجح في حفظ تلك الآيات و ترديدها صوتيا دون فهمها. يمكن أن يكون هذا التلميذ متفوقا في عامه الثاني عشر، في العلوم و التربية الفنية، و لكن ما هي النصوص التي سيتفوق في قراءتها في القسم و البيت ؟ بل، ما هي النصوص التي سيعتمد عليها ليتعلم ؟ ستعلمه قراءة ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب ؟! و هو شاعر كبير بالدارجة. أنا أستاذ اللغة العربية، و أمامي تلميذ تعلم بالدارجة في سنواته الأولى، و قررت أن أدرسه ديوان هذا الشاعر المغربي الكبير، لأنني لا أتوفر على نصوص أخرى، كيف سأفسر له أدبيا أبيات قصائد ذلك الديوان (لا تحسبوها رخصية راه كل معشوق غالي)؟ ما هو معناها ؟ ما هو مغزاها ؟ سأضطر إلى ربط تلك القصائد بالتصوف و سأعمل على تلقين تلامذتي ما هو التصوف و تاريخه، و سأجدني مجبرا على تدريس التربية الدينية التي اعتقدت أن الدارجة ستبعدني عنها. أكثر من ذلك، فإن أنا أردت تربية الذوق الفني لدى التلميذ، علي أن أفسر له ذلك الشعر المكتوب بالدارجة، و لا يمكن أن أفسره إلا بالعودة إلى الوزن العربي الأصيل. هذه العملية ضرورية لتحقق الفهم لدى ذلك التلميذ إذا كان ناطقا بالعربية، أما إذا كان أمازيغيا فذلك أمر آخر. ما أريد الوصول إليه من هذا الكلام، أن المشكل لن يكون مطروحا في السنوات الأولى من التعليم بالدارجة، و أن التلميذ سيتفوق في الرياضيات و علوم الحياة. المشكل سيطرح في السنوات الأخرى لما يتقدم ذلك التلميذ في مستويات التعلم، حين يجد الأستاذ نفسه أمام سؤال « ما هي النصوص التي سأدرسها لهذا التلميذ؟ »، سيرد الدعاة إلى التدريس بالدارجة، بالقول « خاصنا نخدمو الداريجا و نصوصها ». طيب، نتفق معكم في هذه الدعوة، لكن كم سنحتاج من الوقت لنخدم هذه اللغة حتى تصير قائمة الذات و قادرة على أن تكون لغة تدريس و ثقافة؟ مائة عام على الأقل ! حينها إلى أين سيصل الآخرون في المشرق، مقارنة بنا نحن الذين تفرغنا لخدمة الدارجة ؟!

عبد الله العروي: الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة ج 2

كتبه الأزمنة · 2014 – 05 – 16

source: https://alazmina.com/2014/05/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/

 

أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 21 نونبر 2013

  • وقفنا بالأمس عند سؤال نصوص الدارجة التي سيدرسها التلميذ عندما يصل إلى مستوى دراسي معين، و أن الدارجة فقيرة على هذا المستوى، و لن يجد التلميذ ما يدرسه، عكس العربية الغنية بنصوصها و ما تحمله من معاني و إيحاءات.

أنا مسكون بهذه القضية و مثقل بأسئلتها لأنني حلت في المشروع الأصلي لرواية « اليتيم » أن أكتب بالدارجة بلا نقطة و لا فاصلة، و لكن شيئا فشيئا بدأت مستويات الكتابة تختلف. مستوى الدارجة خاص بالتواصل فقط، ثم مستوى العربية لما ترتفع و تتعقد تعابيرها و إيحاءاتها و إحالاتها. يمكن أن أقرأ مقطعا من هذه الرواية لتقف بالملموس على ما قلت. لا يحضرني الآن مقطع التواصل بالدارجة، و لكن المقطع المكتوب بالعربية يقول:

« و ماذا تركت لتشاهديه معي ؟ بجانبك أشاهد كل شيء من جديد، انتظرت هذه الدقيقة منذ خمس عشرة سنة. نعم طالما تمنيت أن ترى البندقية في الشتاء. ها فصل الشتاء و أنت في البندقية. ماذا فعلت في الغربة طوال هذه السنين ؟ حسبت الأيام، ثم تخيلتك، و عشت مع غيري، لقد أعانوني على الحياة. نسيتك فتذكرتك، ثم نسيتك فتذكرتك. هذه دقائق مفصولة من الماضي، و عن المستقبل، و هذه مدينة مقطوعة عن الغرب و الشرق، كنائسها كالمساجد، لنبتعد برهة عما قد وقع، و عما قد وقع. إننا هنا بسبب أشياء وقعت منذ أزمان متقادمة، لنفرض أنها حدثت البارحة، لنفرض، و لنذهب حيث يجتمع الشباب. أفضل أن أرى امرأة مسنة، شعرها أبيض، تشده سفيفة زرقاء، ينظر إليها زوجها، قميصه من الصوف الملون و كأن لم يمر على زواجهما إلا يوم. سنبحث اليوم أو غدا عن السقاية المشؤومة، سقاية الموت في البندقية. سنذهب إلى الأكاديمية لنرى العاصفة و انفجار الساعة، و في متحف كوكنهاي لوحة ماكريت، زرقة ماكريت، و القبر الصغير المكتوب على رخامه « إلى أولادي الأعزاء »، و من هم هؤلاء أصحاب الأسماء اليونانية، أولاد يتامى، بل كلاب. العطف على الحيوان سخط على الإنسان، و العطف على الإنسان سخط على القدر، و تعلو وجه ماريا موجة من اليأس ».

كيف كنت سأكتب كل هذا بالدارجة ؟! لا يمكن كتابته بالدارجة لأن فيه إيحاءات، إيحاءات البندقية و همنغواي و توماس مان. هذا تراكم مائتي سنة، و تلاقح بين هذه الحضارة و اللغة العربية المكتوبة التي استطاعت أن تستوعب هذه المعطيات في عمقها، و تعبر به بهذا الأسلوب. بالتالي، علينا أن ننتظر مائتي سنة أخرى حتى ننجح في التعبير بالدارجة تعبيرا أدبيا محملا بالإيحاءات ! هل نملك الزمان الكافي لتحقيق هذه النتيجة التي تستطيع العربية تحقيقها دون مشاكل؟ هل استوعب نور الدين عيوش و كل الدعاة إلى التعبير بالدارجة هذه الحقائق؟ هل فكروا فيها و في مضيعة الوقت التي يستدعيها بناء الدارجة ؟ ما يدعون له ليس بالبساطة التي يتصورونها، و القضية لا صلة له باستعمال بعض التعابير بالدارجة مثل « ما تقيش ولادي »، و انتهى الأمر. هذه القضية يجب أن يبتعد عنها الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالثقافة لا من قريب و لا من بعيد، و لا حق لهم في أن يتدخلوا في أمور كبرى تقتضي التسيير و التخطيط لمستقبل شعب بكامله. الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة، الثقافة أكبر بكثير.

  • و ماذا عن تمغربيت و الخصوصية المغربية ؟

أما مسألة « تمغربيت » فأقول عنها إنها تعود إلى نوع من الانعزالية، و أظن أن رجل السياسة بالمغرب لا يمكنه اليوم أن يطبق هذه السياسة الانعزالية، و لكن أنا باعتباري رجل ثقافة لدي الحق في أن أميل مع هذا الاتجاه أو ذاك. لهذا أقول في قضية الدعوة إلى التدريس بالدارجة، أرفضها و أنا أعتز بمغربيتي و خصوصيتي، و هذه مسألة لا علاقة لها بقبول تلك الدعوة، و لا بشعوب الشرق، و إنما لها علاقة بثقافة و بمخزون ثقافي، يضم كتاب « ألف ليلة و ليلة » و « بخلاء » الجاحظ و « كليلة و دمنة ». في قراءاتي الكثيرة لبخلاء الجاحظ، أقف في كل قراءة علي أنني أقرأ كتابا جديدا لم يسبق لي أن قرأته. هل نتخلص من هذا الكتاب و نمحوه من ثقافتنا بدعوى أنه لا يمت بصلة إلينا، و أنه كتاب كتب في البصرة ؟! نتخلص من البخلاء و من ألف ليلة و ليلة و الأدب الأندلسي، فماذا سيتبقى لنا في المغرب؟! ستبقى لنا تمغربيت؟! أسأل هنا، ما هي الثقافة المغربية ؟ ستقول الثقافة المغربية هي اليوسي، سأرد عليك بأن اليوسي كتب محاضراته باللغة العربية، و لم يكتبها بالدارجة أو الأمازيغية، و الأمر نفسه بالنسبة للمختار السوسي. هل نطوي صفحة هذه الثقافة المغربية المكتوبة بالعربية و نبدأ من جديد كأننا شعب ليست له ثقافة مكتوبة، و يريد أن يخدم ثقافته الشفوية ؟ ! لهذا السبب رفضت منذ أو كتاب كتبته، و هو « الإيديولوجيا العربية »، ما أسميته « الثقافة الفلكلورية ». لماذا رفضت هذه الثقافة؟ حتى لا نجد أنفسنا في ذلك المستوى البدائي الذي هو في طور الانفتاح على الكتابة و المكتوب اللذين التحق بهما الإغريق منذ ثلاثين قرنا، و العرب منذ ما يقرب من عشرين قرنا، و يأتي البعض منا و يقول، الآن في القرن الواحد و العشرين، علينا أن نبدأ ن الصفر و نهتم بتمغربيت و اللغة المغربية الشفوية كأننا لا نتوفر على لغة مكتوبة و على ثقافة مكتوبة ! نتنكر لتلك اللغة و تلك الثقافة و ندعو إلى الاهتمام بالدارجة و نكتبها و نخدمها لتصير بعد مائتي عام لغة وطنية قادرة على إنتاج الثقافة المكتوبة !

  • و لكن هناك تجارب عدة شعوب استطاعت أن تستقل بلغاتها الوطنية.

يا سيدي، أنا مستعد لتقديم أمثلة على هذا الصعيد. هناك مثال الهولنديين الذين مرت عليهم الآن أربعة قرون حين سعوا إلى الانفصال عن إسبانيا التي لا يجمعهم بها لا دين و لا اللغة، فكتبوا لغتهم المحلية، و صارت الهولندية كما كتبت تدل على مستوى أعمق من اللهجات الألمانية الأخرى، لأن تلك اللهجات ظلت شفوية، بينما الهولندية صارت لغة مكتوبة، لكنها بالمقابل حفظت و جمدت في هذا المستوى و لم تتجاوزه مقارنة بتلك اللهجات التي استمرت حية. الهولنديون متقدمون الآن اقتصاديا و سياسيا، و لكن من يهتم في العالم بالثقافة الهولندية ؟ ! و من يقرأ ما يكتبه الكتاب الهولنديون بلغتهم الوطنية ؟ ! هل سبق لك أن قرأت لشاعر هولندي ما كتبه من شعر بلغته الهولندية ؟ هل قرأت لروائي هولندي؟ الجواب معروف على أن الثقافة الهولندية أنتجت شعراء و قصاصين و روائيين من الطراز الرفيع، لكن لغتهم المحلية حالت دون شهرتهم على الصعيد العالمي. مبدعون كبار و لا أحد يعرفهم خارج هولندا، بل منهم من اضطر إلى الكتابة بالإنجليزية حتى ينجح في مغادرة لغته الوطنية التي تحكم عليه بالانغلاق، و هذا ما قام به المختار السوسي حين قرر الكتابة بالعربية حتى تعرف كتاباته انتشارا أوسع. المختار السوسي كان يتحدث في بيته و حياته اليومية بالسوسية، فتخيل معي لو أنه كتب « المعسول » بالسوسية فمن كان سيقرأ ذلك الكتاب الذي ما زال إلى اليوم مقروءا و يثير أسئلة قرائه من غير السوسيين. هنا أنتقل إلى المثال الثاني، يتعلق الأمر بجيمس جويس الذي عاش في محيط ايرلندي يعادي اللغة الإنجليزية و يدافع عن اللغة الوطنية اللسلتية القديمة و الخصوصية الايرلندية مقارنة بثقافة الإنجليز و لغتهم. عاش جويس في هذا المحيط الذي يحتفي باللغة المحلية على مستوى الشعر و الأغاني و المسرح، و كتابة هذه المستويات، لكن الروائي ارتأى ألا يؤدي ثمن الخطأ الذي ارتكبه أجداده الأبعدون الذين لم يطوروا لغتهم و لم يكتبوا بها، و فضل أن يعيش خارج وطنه الأم، و أن يتعامل مع اللغة الإنجليزية كأنها لغة قابلة للافتراس. تعامل معها كأنها لغة مفترَسة، يفترسها أثناء الكتابة بها، بحيث لو قرأها إنجليزي فسيقول هذه ليست لغتي الإنجليزية التي أعرفها و أتقنها. لو كتب جويس روايته المشهورة الآن بلغته الوطنية، من كان سيطلع عليها و يقف على براعة روائي من الطراز الرفيع ؟ سيقرؤه الإيرلنديون الذين لا يتجاوز عددهم أربعة ملايين نسمة، و أما الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة فلا يعرفون لغتهم الأم. أنتقل إلى الهند التي تصل لغاتها المحلية إلى مائتي لغة، كل مقاطعة تتحدث لغتها الخاصة بها، و اللغة الرسمية ليست هي السنسكريتية، اللغة الدينية القديمة، و إنما الهندوستانية التي يتحدث بها أكثر من مائتي مليون هندي، و مع ذلك لا يعرف من الهنود إلا من يكتب بالإنجليزية. أكثر من ذلك، اللغة البنغالية التي يتحدث بها أكثر من ثلاثمائة مليون من البشر، فطاغور الكاتب البنغالي الشهير، ألف كتبه بالإنجليزية، و لم يكتبها بالبنغالية التي تزخر بثقافة و آداب عريقة، لو كتبها بلغته الوطنية لظل حبيس بلاده و لن يعرف الشهرة العالمية التي حازها.

  • حتى لا نبتعد عن موضوعنا، اللغة العربية الفصحى لغة رسمية رسمها الدستور، أما خانة اللغة الوطنية فما زالت شاغرة، و تنتظر الملء باعتماد اللغة المغربية التي تتحدث بها الأغلبية الساحقة من المغاربة.

تمعن في ما سأصرح به. ذهبت بعيدا في قبول أن تكون الدارجة لغة التدريس في السنوات الأولى من التدريس الابتدائي. هذا ما يطلبه نور الدين عيوش. بل ذهبت أبعد من ذلك، حين دعوت إلى كتابة الدارجة بحرف خاص بها يميزها عما سواها. لم أقف عند هذا الحد، بل ذهبت بأن اعتماد الدارجة في التعليم الابتدائي، لا يمنع من نبوغ في العلوم و التقنيات و الفنون. هناك نقطة واحدة ظلت معلقة، و هي الثقافة الأدبية. إذا اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة سينقطع المغاربة عن الثقافة العربية و ما أنتجته طيلة قرون من إرث ثقافي و أدبي، و ما زالت تنتجه. الأمر هنا لا يتعلق فقط بقطيعة مع الشرق العربي و شعوبه، و إنما سيتعلق بقطيعة مع الحضارة العربية و مع ما ساهم به المغاربة و أهل الأندلس في تلك الحضارة. إذا اكتفينا بتعليم الطفل الدارجة فستنقطع صلته انقطاعا كليا بتلك الحضارة و ثقافتها.

  • ستحدث هذه القطيعة إذا تم إقصاء العربية الكلاسيكية من الحقل اللغوي المغربي، إما إذا لم يقع ذلك الإقصاء و استمر استعمال تلك العربية فلن تحدث تلك القطيعة و سيستمر اتصال المغربي بالثقافة العربية و التفاعل مع ما أنتجته و ما زالت تنتجه.

حاول أن تستوعب تصوري للقضية. سيكون ذلك بالتدرج كأنك تقود سيارتك و تنتقل من السرعة الأولى إلى السرعة الثانية فالثالثة و الرابعة. إذا انطلقت في تعليم الطفل بالدارجة فقط، لا يمكن أن تنتقل به بعد ثلاث سنوات، إلى أن يختار بين إحدى اللغات الأجنبية و اللغة العربية الموحدة و ليست العربية الكلاسيكية. أنا لا أسميها عربية كلاسيكية، و من هذا الذي يتكلم العربية الكلاسيكية الآن ؟! لا يوجد شخص يتحدث بها، و إنما هناك من يكتب بها. في دردشتنا الآن، لا نتحدث بالدارجة كما يتحدث بها الناس في الشارع و حتى في البيت، و إنما نتحدث بلغة بين بين، بين الدارجة و العربية، إنها اللغة الوسطى. لنأخذ الصفحة الساخرة التي تنشرها يوميا جريدة « الأحداث المغربية »، و هي بالمناسبة صفحة مكتوبة بغير العربية، و أتمنى أن تعرضوها على شخص مستواه التعليمي بسيط لم يتجاوز المستوى الثالث ابتدائي، و تطلبوا منه قراءة ما كتب فيها، أكيد سيلاقي صعوبة كبيرة في قراءة ما تسمونه دارجة. اللغة التي تكتبون بها تلك الصفحة الساخرة، لغة لا يمكن أن يقرأها إلا الذي يقرأ بالعربية الفصحى. إذن ما معنى هذا الاستنساخ؟ إذا كانت هناك صعوبات في تدريس العربية التي أسميها معربة، و كانت هذه اللغة تعاني من مشاكل، فعلينا أن نقوم بتيسير تلك الصعوبات و إصلاح المشاكل التي تعاني مها، و إصلاح تلك العربية ليس بإبدالها بالدارجة، لأن الدارجة لا تصلح لهذه المهمة التي تطلبون منها، فهي أكبر منها بكثير.

  • إذن، تعترفون بكون العربية تعاني من مشاكل و تعيش أزمة حقيقة.

نعم، و لكن هذا لا يعني إصلاح مشكل بمشكل أكبر منه. لا يمكن إصلاح مشاكل العربية بالدارجة، لأن الدارجة تعاني من أزمة أكبر، بل أخطر من أزمة العربية. مع ذلك يمكن أن أجيب عما طرحته. الذين ينادون بتبني الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، لم يطلعوا على ما كتبه ابن خلدون في مقدمته. ابن خلدون عرض نقاشا طويلا و عريضا حول الدارجة، و يقول إن الدارجة لغة قائمة بذاتها، و لكن ابن خلدون يفسر في الوقت نفسه، لماذا تأخر المغاربة في النطق بأصوات العربية مقارنة بالمشارقة، و يستحضر الكتاتيب القرآنية و قراءة القرآن جهرا، لأن الغاية من تلك القراءة ليست الحفظ و لا الفهم أو التدين، و إنما بغاية إصلاح النطق و مخارج الحروف نتيجة ما أصابها من تأثيرات الأمازيغية و أدت بالمغربي إلى كثرة الإدغام و غياب المصوتات، و أبعدته عن النطق السليم لأصوات العربية كما ينطقها السوريون و المصريون. الغاية إذن هي توحيد النطق و مخارج الحروف، بحيث يمكن أن تكون قادما من موريتانيا أو من العراق، و لكن تنطق الحرف العربي كما ينطقه الآخرون. هذا نظريا لأنه صعب الحدوث، و مع ذلك كان الرهان على التوحيد على مستوى مخارج الحروف. أقول هذا لأتوجه إلى الدعاة إلى تبني الدارجة لغة التدريس و الكتابة، و أستحضر عبارة « ما تقيش ولادي »، لو كانوا يتقنون النطق بمخارج حروف الدارجة كما ينبغي النطق بها لما كتبوا « ما تقيش ».

  • ماذا أصاب هذه العبارة ؟

كل مغربي ينطق لغته نطقا سليما و يحافظ على مخارج الحروف كما هي، سيقول « ما تقيسش »، و ليس « ما تقيش ». ماذا سيفعل الدعاة إلى تدريس الدارجة و هم يتوجهون إلى طفل صغير السن، هل سيقولون له « ما تقيش »، أو « ما تقيسش » حتى يستوعب النفي الواقع في فعل « تقيس » قبل أن تدخل عليه « ما » المستعلمة للنفي، و أن « ش » لحقت بـ « تقيس » لرسم ذلك النفي للفعل. لاحظ هنا أنك لم تغادر لغة سيبويه و لم تتخلص منها و أنت تسعى إلى تدريس الدارجة و وضع نحو لها. زيادة على مناطق كثيرة من المغرب، لن تستعمل عبارة « ما تقيسش »، و إنما ستستعمل عبارة « ما « , تمسش »، و أكتفي بالتلميح إلى من يستعمل عبارة «ما تقيسش

عبد الله العروي: القرآن ليس لغة فصحى ج3

Source: https://alazmina.com/2014/05/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%81%D8%B5%D8%AD%D9%89-%D8%AC3/ 

كتبه الأزمنة · 2014 – 05 –16

أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 22 نونبر 2013

  • انطلاقا مما أدليتم به إلى حد الآن و أنتم تقاربون هذا الموضوع الشائك الذي يعنيكم شخصيا، أين يكمن المشكل لدى أصحاب الدعوة إلى اعتماد الدارجة في التدريس و الكتابة ؟

لأجيب عن هذا السؤال، أنطلق من كوني ألاقي صعوبة في استيعاب كيف يغامر هؤلاء الأشخاص و يدعون هكذا ببساطة إلى التدريس بالدارجة و اعتمادها لغة للتعلم و الكتابة، دون احتساب عواقب ما يدعون إليه،فإما أنهم لم يمروا من مرحلة التعلم كما مر منها أغلب المغاربة، و إما أنهم لم يمارسوا التعليم و لم يخبروا مجاله المعقد، و إما أنهم لم يشرفوا على تربية أبنائهم و تتبع مسارهم التعليمي و ما يعترضهم من مشاكل في تطور اكتسابهم للغة، أو أنهم لم يجربوا الكتابة و لم يخبروا مجال الكتابة الفنية المعقد. أقول كل هذا لأستخلص الخلاصة التي تهمني، و هي أنهم لم يمارسوا كل ما سردته ليقفوا بالملموس على مستوى و محدودية ما يدعون إليه، و أنه لا يمكن أن يحل المشكل اللغوي القائم. سأضطر هنا إلى العودة إلى تاريخ هذا المشكل، و سأكتفي بإعطاء مثال كاف للدلالة على الاستخلاص الذي استخلصته و خرجت به من هذه الدراسة التي أنجزتها حول الموضوع. أريد أن أقول إن مشكل اللغة العربية و الدارجة و الدعوة إلى اعتماد الدارجة بدل العربية، لا يطرح إلا في بداية المسيرة الثقافية لشعب معين، و كان اللبنانيون سباقون إلى طرح هذا المشكل في ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضي، و كان الشاعر الكبير سعيد عقل، من دعاة اعتماد اللبنانية لغة للكتابة و الإبداع، و لم يقف عند حدود الدعوة، بل انتقل إلى كتابة الشعر باللبنانية. ماذا حدث بعد ذلك بلبنان ؟ بعد ستين سنة، لم يعد اللبنانيون يطرحون هذا المشكل.

  • كيف تخلص اللبنانيون من هذا المشكل ؟ نطرح هذا السؤال حتى يستفيد الدعاة إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس و الكتابة من التجربة اللبنانية و الحل الذي انتهت إليه.

أقول لك إن اللبنانيين تخلصوا من مشكل الدارجة و العربية لأن مستوى اللغتين تقارب، و لم يعد هناك من يتحدث بلغة العلماء أو يكتب بها، لا في الجامعة و لا في الصحافة المكتوبة و لا في وسائل الإعلام السمعي و البصري، و لأن البنات و النساء تعلمن في المدارس و صرن يتحدثن إلى أبنائهن بلغة راقية، بحيث كل جيل يساهم في اقتراب لغة الدار من لغة الصحافة، و خاص الصحافة اليومية و التلفزيون اللذين تلتقي فيهما اللغة الدارجة و العربية و يقتربان من بعضهما البعض. التجربة نفسها، مر منها المصريون فما نسميه اللهجة المصري فهي في حقيقتها لهجة قاهرية، و ليست لها أي علاقة باللهجات الأخرى التي يتحدث بها باقي المصريين في المناطق الأخرى في مصر. انتقل في السياق نفسه إلى اللغة التي يتحدث بها البغداديون، لأقول هي لغة العاصمة العراقية و ليست لها أي علاقة باللغة التي تستعملها كل منطقة من مناطق العراق خارج بغداد. أقول هذا من باب التمهيد إلى الإجابة عن السؤال، و أنتقل مباشرة إلى الموضوع الذي يهمني. يقول الدعاة إلى اعتماد الدارجة المغربية إنهم يحتاجون إلى مائة عام لبناء اللغة التي يتحدث بها المغاربة حتى تصير لغة مخدومة و قادرة على أن تصير لغة للتدريس و الكتابة، أقول لك، امنحني هذه المائة عام حتى أبني اللغة المعربة و أخدمها، و ستصير هي اللغة التي يتحدث بها أي مغربي في البيت و الشارع، و ستصير هي لغة الحديث اليومي و لغة التدريس و الكتابة.

  • ألا ترون أنها مهمة مستحيلة التحقق ؟

امنحني مائة عام و تسلح بالنفس الطويل، و سترى النتيجة بالملموس. الدعاة إلى اعتماد الدارجة يطلبون مائة سنة ليبنوا الدارجة حتى تصير لغة الحديث اليومي و لغة التدريس و كتابة نصوص يمكن أن يفوز نص منها بجائزة نوبل للآداب، إذن فليمنحوا هذه المدة الزمنية لبناء اللغة المعربة و خدمتها، ليروا النتيجة دون إحداث قطيعة ثقافية مع إرث الثقافة العربية و ما تزخر به من كنوز، لا يمكن للدارجة أن تعوضها. مائة عام مدة كافية لحدوث التراكم الكافي لتطور العربية و ملء الشرخ بينها و بين الدارجة.

  • إذا سمحتم، لنرفع اللبس الذي يظهر أنه ما زال يحكم دردشتنا، ليس هناك طرف ينادي بإقصاء العربية، و إنما المطلوب هو خدمة اللغة الوطنية التي هي المغربية حتى يقع التعاون بينها و بين ما تسمونه اللغة المعربة، في أفق حل المعضلة اللغوية بالمغرب.

الذين ينادون باعتماد الدارجة، هل يخدمون هذه اللغة ؟

  • قضية اللغة الوطنية، لا علاقة لها بالأفراد، و إنما هي مشروع حضاري و قضية دولة، الدولة المغربية و هي تسعى إلى تأسيس لغتها الوطنية باعتبارها شرطا من شروط اكتمال بناء الدولة الوطنية.

يظهر أنك لم تستوعب ما قلته منذ البداية. هل لديك أو لدى الدعاة إلى اعتماد الدارجة لغة وطنية، قناعة أن هذه القضية تستحق أن تتفرغ الدولة للاهتمام بها و جعلها من أوليات اهتمامها لأنها شرط من شروط بنائها و اكتمالها؟ ! قبل أي شروع في الإجابة عن هذا السؤال، هل تضمن نتيجة هذه المغامرة غير محسوبة العواقب ؟

  • ستصير لنا نحن المغاربة، لغة وطنية خاصة بنا، تميزنا عن شعوب المنطقة.

يظهر أنك لم تسايرني في ما ذهبت إليه منذ انطلاق الحوار. لغتك تظهر أنك يا سيدي، لم تستوعب أنني أتفق معك مائة في المائة، و لكن عليك أن تستشرف النتيجة من هذه اللحظة، لأن وضعك سيكون في جميع الأحوال كوضع هولندا التي استقلت بلغتها عن إسبانيا و اللغة الإسبانية، من سيهتم بك و بلغتك المغربية في دنيا اللغات ؟!

  • ستظل العربية الفصحى لغة معتمدة لضمان ما تسمونه التربية الثقافية حتى لا تقع القطيعة مع الإرث الأدبي العربي.

لنفرض ذلك، و أن العربية استمرت إلى جانب اللغة الدارجة، يقول المثل ما معناه أن قلبين لا يمكن لهما أن يوجدا في صدر واحد. كنت سأتفق معك لو ذهبت في قولك إلى أننا سنبني اللغة الدارجة و سنعدم العربية و نعوضها باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، أما أن تعتمد اللغة الدارجة و تحتفظ بالعربية إلى جانب بالعربية إلى جانبها فكأنك تحتفظ بالأم إلى جانب ابنتها لتضمن الأصل و الإرث و كذا الامتداد. أسألك هنا، هل تضمن الحفاظ على ضمان اتفاق البنت و أمها بعد انفصال الأولى و الثانية و استقلالها بذاتها و حياتها و مستقبلها ؟ ! نعيش في الحياة اليومية و العادية، وقائع المخاصمات المستمرة بين البنت بحياتها بعيدا عن الأم. هذا ما سيقع إذا ما انفصلت الدارجة عن العربية و صارت لغة مستقلة بذاتها، إذ لا يمكن لهما أن يستمرا في تصالحهما و تساكنهما كما هو الحال الآن، فإما أن تهيمن الدارجة على العربية، و إما أن تستمر العربية في فرض وصايتها على الدارجة و تسيطر على ابنتها و تتحكم في حاضرها و مستقبلها.

  • يمكن للفصحى المحصورة في فعل القراءة و الكتابة فقط، أن تسيطر على المغربية الحية و المتطورة دائما ؟!

أولا، أنا لا أتحدث عن العربية الفصحى و إنما عن العربية المعربة. اللغة العربية الفصحى هي اللغة المكتوبة في كتاب واحد، لا يقرؤه الكثيرون و لا يستعمله أحد، و هذا الكتاب هو « مقامات الحريري ». هذا الكتاب هو وحده يمثل اللغة الفصحى. القرآن ليس لغة فصحى لأن لغته في متناول الجميع، و لا يحتاج إلى القواميس و المعاجم لفهم لغته.

  • كيف تحقق الفصحى في مقامات الحريري دون سائر المؤلفات التي كتبت بالعربية ؟

سأوضح لك كيف تحققت الفصحى في مقامات الحريري. كان هدف الحريري من تأليف مقاماته، هو تعليم قارئه المفردات الخاصة كي تنجح في التأليف و كتابة الشعر و غيره، و لم يكن هدفه من المقامات الكتابة الفنية. كان هدفه لغويا صرفا، على العكس تماما من الهمذاني الذي كان هدفه فنيا لأنه كتب مقاماته لغاية فنية لا دخل للتعليم فيها.

  • على العكس، مقامات الحريري ناضجة فنيا مقارنة بمقامات الهمذاني.

غير صحيح. مقامات الحريري مكتوبة بكلمات غير مفهومة و متروكة و لا يستعملها أي متكلم في لغته. جرب أن تقرأ مقامات الحريري، و اختبر مدى قدرته على استعمال المفردات التي كتبها بها في ما ستكتبه و توجهه إلى القراء ليقرؤوه و يفهموه دون حاجة إلى القواميس و المعاجم.

  • قلتم إن القرآن نفسه ليس عربية فصحى، كيف ؟!

بدليل أن القرآن يتضمن كلمات كثيرة ليست عربية فصيحة. لن أدخل هنا في التفاصيل التي تحتاج إلى دراسة مستقلة عما نحن في غمار الخوض فيه، لكنني سأكتفي بالقول إن لغة القرآن تتضمن كلمات كثيرة ليست فصيحة، كلمات خاصة به. أريد في هذه النقطة بالذات الوقوف عند مسألة إعجاز القرآن، لأقول إن إعجازه يتحقق في كون لغته لا تشبه أي لغة عربية أخرى. هنا أشير بالمناسبة إلى كون ما أطلق عليه القدامى العربية الفصيحة، لا يعدون أن يكون لغة البدو التي لم تخالطها لغة الحضر أو المدينة، و لا أعتقد أن الفصيح له علاقة بالتمجيد، على العكس تماما، ففي القرن الثاني و الثالث الهجري صارت لغة البدو تعتبر لغة « الهمج ».

هذا الكلام ينافي كون رواة اللغة العربية و علمائها كانوا يقطعون الفيافي و الأراضي القفار ليتصلوا بالبدو و يسمعوا منهم مباشرة و دون وسائط، العربية الحقيقة و النقية من فساد عربية سكان المدن التي أصابها النحل أو آفة التطور و الاستعمال اليومي، و أظن أننا لم نبتعد عن موضوعنا لأن ذلك النحل هو أصل العربية الأخرى التي صارت دارجة أو عامية مقارنة بالعربية الفصحى.

قضية تأسيس العربية الفصحى كما وصلتنا لها علاقة بالسياسة، لأن الحكام كانوا عربا و خضعوا لمدة قصيرة، لنوع من الابتزاز من طرف العرب الأقحاح الذين كانوا يطالبون بنصيبهم من موقع كون الدين الإسلامي دينهم و اللغة العربية لغتهم، و أنهم هم من أوصلوا الأمويين إلى سدة الحكم، و على الحاكمين أن يخضعوا لمطالب الذين أوصلوهم إلى سدة الحكم. أظن أن لا غرض لنا بالدخول في هذه التفاصيل و الحيثيات التي لن تفيدنا في موضوعنا الذي نحن بصدد دراسته.

  • لنترك هذا الموضوع الشائك لمؤرخي اللغة العربية و أسباب مشاكلها، و لنعد إلى توصية ندوة « سبيل النجاح » التي دعا فيها رجل التواصل، نور الدين عيوش، إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس في المدرسة المغربية.

طيب، أعود إلى موضوع حوارنا لأقول إن الذين خاضوا في موضوع العربية و الدارجة، سقطوا في الخلط بين شقين اثنين. هناك الشق التقني التربوي، و أقول في هذا الشق إن ما يطلب به الدعاة إلى اعتماد اللغة الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، هو الحد الأدنى، و هذا الحد موجود و متحقق، و حتى إن لم يكن موجودا فعلينا أن نعمل على إيجاد و تحقيقه على أرض الواقع.

  • ما هو هذا الحد الأدنى الذي تتحدثون عنه الآن على مستوى اعتماد التدريس بالدارجة المغربية في المدرسة المغربية عوض العربية ؟

هذا الحد الأدنى هو ما يدعو إليه الراغبون في اعتماد اللغة الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، و يحددون مجاله في مسألة ضمان حدوث التواصل، و ضمان سبيل نجاح الطفل لما يلتحق بالمدرسة، في تحقيق الفهم و الاستيعاب بلغته الأم. لمزيد من التوضيح فالحد الأدنى الذي يطالب به الدعاة إلى اعتماد الدارجة في التدريس، يتمثل حسب ما يدعون إليه، في التحدث إلى الطفل بلغته الأم التي تربى على التحدث بها و اكتسب مهارات فهمها و استيعاب معانيها، في مرحلة روض الأطفال و السنوات الثلاث الأولى من التعليم الابتدائي. هذا المستوى الذي هو الحد الأدنى لما يطالبون به، إما هو موجود و متحقق عمليا في تدريس الطفل لما يلتحق بالمدرسة، و لا يحتاج إلى تلك الدعوة التي لا محل لها مما هو عليه الأمر الواقع في العملية التعليمية بالمدرسة المغربية، و إما أنه غير موجود و علينا العمل على إيجاده و تحقيقه بالملموس حتى نجد حلا لهذا المشكل، و نضع نقطة نهاية لدعوة اعتماد الدارجة التي لا تحمد عواقبها على مستوى قطع صلة المغربي بإرثه الثقافي العربي و إنجازاته التي لا يمكن للدارجة أن تعوضه و تحل محله.

  • بالتالي أين يكمن المشكل ؟ و لماذا خرجتم من مقبعكم لتعارضوا الدعوة إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس ؟

المشكل يا سيدي، يتمثل في المستويات التي ستلي السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، لأن الدعاة إلى اعتماد الدارجة لغة للتدريس، لا يستوعبون أنهم سيدخلون الطفل في متاهات لا قدرة له على العثور على سبيل النجاح في الخروج منها سالما و غانما. أوضح أكثر، سيورط أصحاب هذه الدعوة الطفل في متاهات أننا نريد اعتماد الدارجة لأنها لغة التواصل و الفهم السريع، و أننا لا نحارب الفصحى، و إنما نسعى إلى أن نخدم اللغة التي يتواصل بها المغاربة، و نعمل على أن تكون لغتنا الوطنية الخاصة بنا، و سننتج بها أدبا خاصا بنا و يميزنا عنا سوانا من شعوب الجوار الذين كانت تجمعنا بهم لغة لم تعد قادرة على ضمان التواصل و الغاية المتوخاة منه. هذا لن يتحقق إلا في المستقبل المستحيل. تعدني بمستقل لغوي وردي، بينه و بين التحقق على أرض الواقع، ما بين الأرض و القمر. لهذه الأسباب التي ذكرتها فأنا واقعي على هذا المستوى، و لم يسبق لي أن وصل إلى علمي، نجاح تجربة من التجارب التي دعت إلى التخلص من لغة قائمة الذات، و تبني لغة محلية ما زالت مادة في حكم الخام، و تحتاج إلى البناء و تحقيق التراكمات التاريخية حتى تقف على قدميها، و تنافس اللغة التي تسعى إلى إزاحتها.

عبد الله العروي: مشكلنا هو مشكل تأخر فكري الجزء الأخير

Source: https://alazmina.com/2014/05/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D9%86%D8%A7-%D9%87%D9%88-%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%AA%D8%A3%D8%AE%D8%B1-%D9%81%D9%83%D8%B1/

كتبه الأزمنة · 2014 – 05 – 16

أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد  و 24-25 23 نونبر 2013

  • يظهر من كلامكم إلى حد الآن، أنكم لا تعارضون التدريس بالدارجة، لأن ذلك التدريس أمر واقع في السنوات الأولى من الابتدائي، و لكنكم تتحفظون و تعارضون ترسيم الأمر حتى لا تحدث القطيعة مع الإرث الثقافي العربي، هل هناك موانع أخرى ترونها وجيهة في الرد على الدعاة إلى ذلك الترسيم ؟

طبعا هناك موانع أخرى، أكتفي بمثال بسيط و لكنه دال. هؤلاء الذين يدعون إلى التدريس بالدارجة، يرفضون استشراف ما ينتظر هذه المغامرة من مشاكل على أرض الواقع. تخيل معي، أنا أستاذ التعليم الابتدائي قادم من الدار البيضاء و أتقن التحدث بالدارجة البيضاوية و أجهل التحدث بأي دارجة أخرى، عينتني الوزارة في مدرسة ابتدائية بمدينة شفشاون. التحقت بموقع تعييني، و فوجئت منذ وصولي بكون أهل هذه المدينة يتحدثون بدارجة أجد صعوبات كبيرة في استيعاب طريقة نطقها و كلماتها و كذا تراكيبها. هذا مشكل كبير سيواجهني في التواصل مع تلامذتي، هل أتحدث إليهم بالدارجة البيضاوية التي أتقن التحدث بها؟ لن يفهموني، إذن علي أن أتعلم التحدث بلهجتهم حتى أضمن نجاح التواصل. سينقلب الدور، و سأضطر إلى تعلم دارجة شفشاون من تلامذتي ! سيصير التلميذ الشفشاوني معلما ! و سينقلب المعلم البيضاوي إلى متعلم ! إذا كان هذا الوضع هو ما يسعى إليه المطالبون باعتماد الدارجة في المدرسة المغربية، فهذه المدرسة لن تصلح لأي شيء ! هذا ما قاله صاحبنا القذافي « التعليم بيتي »، و لا حاجة لنا بمؤسسة المدرسة بما أن الأم ستقوم بالمهمة التربوية و التعليمية، و ستصلح شأن أبنائها و بناتها. انتبه، فأنا لم أبتعد هنا عن موضوعنا الشائك، و أنوب عن الدعاة إلى التدريس و تعليم الأطفال فلا حاجة للمدرسة، لأن البيت يمكن أن يقوم بهذه المهمة أحسن قيام، بما أن اللغة المعتمدة هي لغة البيت و إلا فإن المدرسة ستنافس البيت في معمته التربوية و التعليمية.

  • لنتمهل قليلا عند مثال الأستاذ البيضاوي الذي عينته الوزارة في مدرسة ابتدائية بشفشاون، و ننطلق منه لنقف و إياكم على المشاكل التي يستدعيها التدريس بالدارجة و اعتمادها بالتالي لغة للكتابة، ما هي هذه المشاكل ؟

لن أدخل مرة أخرى في التفاصيل، و أكتفي بمثال تاريخي يكفي في نظري، للوقوف على المشاكل التي يستدعيها التدريس بالدارجة و كتابة هذه اللغة الشفوية. أستدعي لهذا الغرض لوبنياك الذي ألف مؤلفا ضخما حول دارجة منطقة زعير 1945، و أتوجه إلى كل من يتقن التحدث بهذه اللغة، و أقترح عليه قراءة تلك الدارجة التي اشتغل عليها لوبنياك، ليقف على أنها لا علاقة لها بالعربية الدارجة التي يتحدث بها أهل زعير الآن. أورد هذا المعطى التاريخي لأصل إلى الخلاصة التي تعنينا في موضوعنا، لأننا إذا كتبنا الدارجة و انتقلنا بها من مستوى اللغة الشفوية إلى مستوى اللغة المكتوبة، سنقوم بتجميدها في المكتوب، و سنجعلها تنفصل عن الدارجة اليومية التي يتحدث بها الناس، و تتوقف بالتالي عن مسايرة مجريات ذلك التحدث اليومي و ما يراكمه من تطورات و تحولات تطرأ على اللغة الشفوية غير المقيدة بقيد الكتابة، لنجد أنفسنا بعد خمسين سنة أمام نفس المشكل الذي تعاني منه العربية من حيث هي لغة مكتوبة. أعود هنا إلى قراءة القرآن جهرا، و أستحضر ما قاله ابن خلدون حول ضرورة أن يردد الأطفال تلك القراءة في الكتاتيب، و لا يهم أنهم لا يفهمون ما يرددونه بصوت مرتفع، لأن الغاية من تلك القراءة هي تصويب النطق و ضبط سلامة مخارج الحروف كما في التمرن على أداء الغناء.

  • ما علاقة هذا الكلام بالوضع الحالي للغة العربية و الدعوة إلى تعويضها بالدارجة ؟

لأجيب عن سؤالك سأضطر إلى الابتعاد قليلا عما تطلب مني. مشكل اللغة العربية أنها ليست أبجدية و إنما نصف أبجدية. ليس هذا عيبا فيها و إنما هي خصوصية تجعلها تجعلها لغة يكتسبها المتكلم بها على شقين، الشق الأول يتعلق بتعلم الحروف، لبصير النطق أو القراءة عبارة عن تحريك ذلك الجسم الذي هو، مثلا، « كتب » أو « كتاب ». بناء على هذه الخصوصية، إذا تعلمت الحروف و لم تتعلم الحركات التي تحرك تلك الحروف، لن تنجح في عملية القراءة التي تتطلب منك تحريك تلك الحروف حسب المطلوب في كل كلمة. من هذا يجد الأجانب عن اللغة العربية صعوبة في قراءة الكلمات العربية، لأنهم قد يضبطون الحروف و لكنهم يفتقدون الحركات التي تحرك تلك الحروف حتى يحصل المراد من فعل القراءة. أضيف إلى هذه الخصوصية مسألة الصرف و التحكم في العبارات بميزان ذلك الصرف. سأقدم أمثلة تشخص هذه المسألة، و أقول « فعل » و « استفعل » و « تفاعل » و « افتعل » و « انفعل ». نصير هنا كأننا أمام قواعد موسيقية و عليك أن تستوعبها و تضبطها و تتحكم في استعمالها، حتى تصير قواعد مكتسبة ذهنيا. إذا حدث هذا، و استحضرنا تعلم الحروف و الحركات، يمكنك أن تنجز فعل القراءة و الكتابة دون مشاكل.

  • ألا ترون أن هذا هو مشكل اللغة العربية و سبب أزمتها باعتبارها معقدة و حروفها لا تعد و لا تحصى ؟

على العكس، و أمهلني إلى أن أنهي كلامي. تلك القواعد هي الخطاطات التي ينبغي تعلمها و ضبطها و استيعابها ذهنيا، و إذا استوعب المتكلم تلك الخطاطات عبر القواعدـ يعني بالأجرومية، و أضاف الحركات التي تحرك الحروف، تصير هي سبب القراءة دون السقوط في ارتكاب الأخطاء. يمكن أن تجري تجربة ملموسة لتقف على ما قلت، من خلال القيام بتعليم طفل أول كتابة اللغة العربية بحروف عربية، و تعليم طفل ثان كتابة تلك اللغة بحروف لاتينية. من سيكون الأسرع ؟

  • الطفل الثاني سيكون أسرع في قراءة الكلمات العربية لأنه لن يهدر الوقت في التفكير في حركات الحروف قبل القراءة ؟

هذا في سنة الأولى فقط، لأن الطفل الثاني سيقرأ الحروف اللاتينية بسهولة. أما إذا علمت الطفل الأول تلك الخطاطات في السنة الثانية، و سهرت على أن يستوعبها و يضبط قواعدها، فسيتفوق على الطفل الثاني في السنة الثالثة من تعلمهما للغة العربية، و سيكون أسرع في القراءة و الفهم. أريد هنا أن أقف عند الذين خدموا اللغة العربية و قعدوا لها، و هم في غالبهم ليسوا عربا، و إنما من بلاد فارس و غيرها. سيبويه ليس عربيا، و خدم اللغة العربية.

  • فعلتم حسنا و أنتم تثيرون شكل اللغة العربية، لأن هذا الشكل هو سبب أزمتها، خاصة على مستوى قراءة الطفل للكلمات بما أنه يصير مطالبا بفهم حركات حروف تلك الكلمات قبل قراءتها، ثم يقوم بقراءتها إن هو نجح في المهمة، لينتقل إلى فهم معانيها، ألا ترون أنها عملية معقدة ؟

أنت لا تريد أن تفهم ما أقول، و تميل إلى النقاش الفارغ. أعود يا سيدي، إلى الحديث عن الدارجة التي تريدون تدريس الطفل بها، و لنفرض أنها دارجة واحدة و مستقرة و ستحافظ على استقرارها لمدة طويلة قد تستغرق عشرين أو ثلاثين سنة. كل هذا غير مؤكد و غير مضمون، و مع ذلك أسايرك في الانتقال بها إلى مستوى الكتابة، و ستكتبها بحروف عربية، لكنك ستلاقي صعوبة كبيرة في قراءتها، لأنها لا تتوفر على تلك الخطاطات التي ذكرتها، و عليك أن تعثر على سيبويه جديد قادر على دراسة الدارجة، و التنقيب فيها لمعرفة هل تتوفر على خطاطات كتلك التي تتوفر عليها العربية. أما إذا لم تكن تتوفر على تلك الخطاطات، فعليك أن تنتقل إلى اختيار كتابتها بحروف لاتينية، و عليك أن تبدع حروفا جديدة قادرة على كتابة جميع أصوات الدارجة الخاصة بها. إذا قمت بهذه العملية فستقطع صلة الدارجة بالفصحى، و بالتالي لا تدعي بأنك ستحافظ على الفصحى إلى جانب الدارجة، لأنك اخترت لغة أخرى غير العربية، و كتبتها بحروف أخرى غير حروف العربية، ستخلق جيلا جديدا منفصلا تماما عن العربية و ثقافتها و ما تزخر به من كنوز ستحرمه من الإطلاع عليها.

  • و ماذا لو كتبنا الدارجة كما تنطق ؟

خذ الصفحة الساخرة بجريدة « الأحداث المغربية »، و اقرأها.

  • دارجة الساخرة مكتوبة بالطريقة نفسها التي تكتب بها العربية، أنا أقترح مثلا، كتابة كلمة « الداريجا » و ليس « الدارجة ».

يظهر أنك تبحث عن عمل إضافي و تسعى إلى خلق متاعب جديدة لا حاجة لنا بها، و لن نستفيد منها، و سنثقل كاهل اللغويين بأمر لن يفيدنا في تحقيق التقدم المرغوب، و إنما سنرهن به مستقبلنا و نضيف عبئا اقتصاديا إلى باقي أعبائنا الأخرى و النتيجة في الأخير غير مضمونة. زيادة على الانفصال عن الثقافة العربية و موروثها، هل ستترجم لي مقدمة ابن خلدون إلى الدارجة لأقرأها ؟ !

  • يستخلص من كلامكم أنكم تناهضون اعتماد الدارجة في التعليم، و تعارضون الارتقاء بها إلى مستوى الكتابة، و تفضلون أن تظل لغة التواصل في البيت و الشارع.

لخص لزميلك ما قلته منذ انطلاق الحوار حتى يفهم موقفي من مسألة تدريس الدارجة. لنترك الهزل جانبا، الموضوع جدي و يتعلق بمستقبل شعب، و أعيد من باب التلخيص، أن المطلوب منا هو ألا نخلط بين الشفوي الذي له مجاله، و بين المكتوب الذي له مجاله، و لا اعتراض على استعمال الدارجة أو الدارجات في السنوات الأولى من التعليم، على أساس أن المسألة تربوية و تتعلق بتيسير طرق تدريس الطفل حتى ينجح في الاستيعاب و يحصل المرجو من العملية التربوية. أظن أن هذا المستوى موجود في المدرسة المغربية، و إن لم يكن موجودا فعلينا إيجاده و تحقيقه. أما مسألة الكتابة بالدارجة و الانتقال بها إلى مستوى التأليف الأدبي و العلمي، فأظن أن ذلك التأليف ليس مجال الدارجة، لأن مجالها محدود، و هو الغناء الشعبي و الفكاهة و الحوارات و السينما و الأعمال التلفزيونية، و هذا هو الحاصلـ و أغلب المستجوبين في التلفزيون و المحطات الإذاعية، يتحدثون بلغة وسطى بين الدارجة و العربية. كل هذا لا علاقة له بالمكتوب، و المدرسة لا علاقة لها بالشفوي و التعبير العفوي و التلقائي كما في لغة التواصل اليومي في البيت و الشارع. المدرسة مجال مضبوط للانتقال من الشفوي إلى الكتابي، و لا أتفق مع الذين يدعون إلى الكتابي مات و ولى زمانه مع الأنترنيت و همينة الصوة. هذا أمر غير صحيح، لأن الكتابي ما زال مستمرا و فاعلا في الأنترنيت، و إنما الحامل هو الذي تغير و انتقل من الصفحة إلى الشاشة. ما علينا، فما أرفضه و رفضته منذ زمان بعيد هو أن نحصر ثقافة المغاربة في الشفوي و في الفلكلور. أرفض هذا الاتجاه الذي يسعى إلى أن تصير ثقافة المغاربة ثقافة فلكلورية. هذا حط و تبخيس من قيمة المغرب و المغاربة، لأن الانتماء إلى المغرب و ثقافته الشفوية شيء، و الانتماء إلى الموروث الثقافي العربي شيء آخر. أكثر من ذلك فأنا أرى أن الانتماء إلى المغرب لا يتعارض أصلا مع الانتماء، ليس إلى المجموعة العربية أو الشعوب العربية، و إنما ثقافة الجاحظ و ابن خلدون و ألف ليلة و ليلة. هذا الموقع لخصته في أربع صفحات ضمن كتابي « ديوان السياسة ».

  • ماذا كتبتم في « ديوان السياسة » ؟

سأقرأ عليك مقطعا بما أنك لم تقرأ الكتاب: « بعد الاستقلال دعا بعض المثقفين المفرنسين إلى اعتماد الدارجة لغة للتعبير الأدبي. كانوا يدعون إلى ذلك و لا يطبقونه أبدا ». أشير هنا إلى مجلة « أنفاس » خاصة نسختها الفرنسية، لكنهم لم يسبق أن مروا إلى الفعل، و اكتفوا بالدفاع عن تلك الفكرة دون تطبيقها.

« ظلت الدارجة تستعمل، كما كانت دائما، في الفنون المحكية: الأغنية، الكلام الموزون، المسرح الهزلي، اعتمدت في الإذاعة ثم في التلفزة، و كذلك لأغراض تربوية سيما في محاربة الأمية، لكن لم يحاول أحد من أنصار الدارجة عندنا ما حاوله سعيد عقل في لبنان أو محمود تيمور في مصر. ما تفرضه الممارسة الحالية مدعومة كما قلت آنفا، بالتقنيات الحديثة، هو اعتماد الدارجة في كل ما هو شفاهي مهما تكن الوسيلة، و مهما يكن المقام (الشارع، البيت، البرلمان، المدرسة، المعمل…)، و اعتماد الفصحى فيما هو فكري، فحصي، تأملي، رمزي، أكان أدبا أو فلسفة أو علما أو تقنية… و بسبب الاشتراك في الحرف، إن الفرق بين اللغتين يزيد و ينقص. عندما ترسم الدارجة فإنها تفصّح بالضرورة. كل قارئ يستطيع أن يجرب ذلك بنفسه. و عندما تقرأ الفصحى جهرا، عندما يحول الحرف إلى صوت، فإنها تقترب حتما من الدارجة، إذ تحذف أو تختزل الحركات. لولا ذلك لما أدركنا في الحين أن المتكلم بالفصحى مصري أو خليجي أو تونسي أو مغربي. يشارك بعض أنصار الدارجة دعاة الأمازيغية القول إن الغرض ليس ثقافيا و حسب، بل هو اجتماعي و سياسي، إذ يرمي إلى ردم الهوة بين الطبقات، محو الأمية، التخفيف من ثقل التراث الكلاسيكي المشبع بالقيم العتيقة، عرقلة تأثير الفضائيات الظلامية. الهدف نبيل. إلا أنه قد يتحقق بطريق غير ترسيم الدارجة مع ما يتبع ذلك من سلبيات ذكرناها في حق الأمازيغية. قد يتحقق بـ « تعميم الفصحى »، و هذا التعميم، إذا حصل بالفعل، قد يتطور إلى حد أن تتميز الفصحى المغربية عن غيرها تميز الإنجليزية الهندية عن الإنجليزية الإنجليزية. و العملية هذه ليست أكثر صعوبة من التي يدعونا إليها أنصار الدارجة لو كانوا صادقين. »

  • انطلاقا مما جاء في « ديوان السياسة » حول الدارجة، ماذا لو تفضلتم و توسعتم أكثر في ذكر سلبيات اعتماد تلك الدارجة لغة للتدريس و الكتابة.

السلبية الأساسية لذلك الاعتماد، تتمثل في العبء الاقتصادي. بلد فقير يعاني من مشاكل كثيرة، و تضيف إليها مشكل خلق لغة جديدة، و المورد البشري الذي سيخدم تلك اللغة، زيادة على المعاهد و تأليف المعاجم و الكتب المتخصصة في دراسة هذه اللغة التي تسعى إلى الانتقال بها من المستوى الشفوي إلى المستوى الكتابي. كل ما ستحققه أنها ستوجد مناصب شغل لكثير من الدكاترة المتخصيين في اللغويات. هذا كل ما ستحققه من العملية برمتها. لهذه السلبيات فأنا مع تعميم الفصحى و تخفيض مستواها حتى تنزل بها إلى أفهام العامة، و بالتالي مغربة العربية الفصحى. من سيعارض هذه العملية ؟ !

  • على العكس، سيكون ذلك هدفا مثاليا.

أنت لا تقول بمغربة الفصحى لأنك تسعى إلى اعتماد الدارجة في المدرسة و الكتابة. هذا التعميم إذا حصل بالفعل، قد يتطور إلى حد أن تتميز العربية الفصحى المغربية عن غيرها. هذا ما كتبته في « ديوان السياسة »، و ما زلت أدافع عنه، لأن العربية المغربية المكتوبة تختلف عن العربية المشرقية المكتوبة، و بالتالي فتمغربيت تكون فالفصحى و غير الفصحى، و ليس بالدارجة المكتوبة بالضرورة، و إذا أردت أن تكون مغربيا، كن مغربيا بالتفكير، و انفصل عن المشارقة بالفكر، و ليس باللغة فقط. و إذا أردت أن تبذل جهدا لتطويع الدارجة و الانتقال بها إلى المستوى المكتوب، فلماذا لا تبذل ذلك الجهد لتطوير الفصحى المعربة التي هي لغتنا ؟ تتحدثون عن العربية كأننا في القرن الثاني الهجري الذي وصل فيه إلى المغرب ناس يتحدثون بلغة لا تمت إلى لغتنا بصلة ! العربية لغة مغربية، و هناك قبائل مغربية كثيرة قدمت من المشرق، و لغتها الأصلية العربية.

  • انطلاقا من تجربتكم في الكتابة الروائية و تجارب روائيين مغاربة آخرين، ألا تتفقون معي في كون الدارجة عندما تنتقل إلى المكتوب الروائي، تصير بدورها لغة للكتابة الروائية ؟

عدد لي النصوص الروائية التي استعملت الدارجة في الكتابة. كم من نص روائي مغربي استعمل الدارجة المغربية ؟ إذا جمعت كل ما كتب بالدارجة في تلك النصوص فلن تنجح في جمع كتاب من خمسمائة صفحة.

  • تلك الصفحات المعدودة تشكل بداية، و تحقق تراكما في خدمة الدارجة و تعاونها الحواري مع ما تسميه المعربة.

عوض أن أخدم الدارجة، أفضل ترجمة مؤلفات روسو إلى العربية، لأن تلك الترجمة ستكون تعريبا لأفكار جديدة، تساهم في تغيير منظومتنا الفكرية. أفضل ترجمة مونتيسكيو، و ترجمة نظريات في التاريخ عوض مضيعة الوقت في الكيفية التي سأكتب بها « تمان الخضرا اليوم بشحال؟ ». هذا ليس معقولا. أفضل الترجمة عن هدر الوقت و الطاقات في أمر لن يفيدنا. إذا زرت لبنان و تحدث للبنانيين، ستجدهم أنهم يقولون العبارة باللبنانية ثم يترجمونها إلى الفرنسية أو الإنجليزية، لأنهم شعب يعشق الترجمة، و لكن هذا الانتقال الدائم من لغة إلى لغة أخرى، انتقال يغيب الإبداع، و يجعلك تتوهم أنك تحقق تقدمك حين تترجم ما تقوله بلغتك إلى لغة أخرى. هناك حقيقة لا يمكن إنكارها، الإبداع العلمي و الفني، يتحقق الآن عند الناطقين بالإنجليزية، لأنهم يستغلون ما ستضيعه أنت من وقت في الاشتغال على لغتك الشفوية و الرهان على التعليم بها، يستغلونه في تطوير معارفهم و التركيز على المفاهيم و ضبط المعلومات. لهذا أريد أن أوضح موقفي مما يقع الآن في المغرب، و أريد الكشف عن سبب غضبي. مشكلنا ليس هو التأخر الاقتصادي أو العلمي، بل مشكلنا هو مشكل تأخر فكري، أي أن المفاهيم التي توصل إليها الآخرون لم تصلنا بعد. هذه المفاهيم لا يمكن أن تصل إليها، إلا إذا تعلمت لغة أجنبية و أتقنتها. لذلك فالمستوى الفكري الذي يصل إليه الأشخاص الذين تعلموا الفرنسية أو الإنجليزية و أتقنوها، ليس هو مستوى الأشخاص الذين اكتفوا بالعربية. هذه مسألة لاحظتها مرارا أثناء لقاءاتي بالمشارقة في باريس و غيرها، ففي الوقت الذي أقرأ فيه ديكارت في نصه الفرنسي و أعمل جاهدا على فهمه، يكتفي غيري بالاطلاع على ملخصه بالعربية لما كتبه ديكارت، و يظنون أنهم قرؤوه و فهموه. لو فرض علينا الفرنسيون اللغة الفرنسية أثناء الحماية، و أصبحت لغة الحديث و الكتابة كما فعلوا في إفريقيا السوداء، لما كان لي اعتراض على الأمر، لأننا كنا سنستوعب الفكر الحديث، و لكن ذلك لم يحدث لأن الفرنسيين لم يريدوا فرنستنا، و وجدنا أنفسنا أمام اللغة العربية، و من حسن حظنا أننا لسنا وحدنا في هذه المسألة. هناك العرب من لبنانيين و مصريين و سوريين و عراقيين، و تضافرت جهود الجميع لحل المشكل. و الآن تعرف الترجمة مع أموال البترول، حركة لا بأس بها، و عوض الدفع بهذه الحركة في المغرب، نفاجأ بمن يتبرأ من العربية و يريد الكتابة بالأمازيغية، و من يدعي أن العربية لم تعد تليق بنا و لا تصلح لتدريس أبنائنا. لا دخل لي في ما تريدون، و اختاروا اللغة التي تريدون، و لكن اعلموا أن الوقت الذي ستقضونه في خدمة تلك اللغة، هو وقت ستضيعونه في تعلم هذه اللغة الجديدة، و لن تستطيعوا استدراك ما ضاع منكم. تصوروا معي ما ستثقلون به كاهل الطفل الصغير، ستعلمونه الحرف العربي و الحرف اللاتيني و تيفيناغ، و لا تقفون عند هذا الحد، بل تطلبون منه أن يتعلم بالدارجة كما في البيت، و أن يكتبها، و لا نعرف إلى حد الآن الحرف الذي ستكتب به تلك الدارجة ! هل فكر الذين دعوا إلى التعلم بالدارجة و تعميمها، في ما دعوا إليه ؟ ! كل هذا لأقول أنا مغربي و أتحدث لغتي المغربية و أدرس بها و أكتب، كما الكندي الذي يسكن منطقة الكيبيك و يتحدث بالفرنسية. تريد لغتك، لك ما أردت، لكن لا تفرض إرادتك على المغاربة. المغاربة ورثوا اللغة العربية، و أنا لا دخل لي في مسألة هذا الإرث، تستعملها مجموعة بشرية لها وزن في العالم. نعم العربية لغة موجودة و تحمل إرثا ثقافيا كبيرا و غنيا، و إذا كنا نعاني من تخلف فكري فلأن الجديد يصل إلينا بوساطة و بعد خمس أو عشر سنوات. الأمر نفسه يعيشه الإسبان و الشعوب الناطقة بالإسبانية، على الرغم من أنهم لا يعانون من مشكل الفرق بين اللغة المحكية و اللغة المكتوبة. الأمر نفسه تعيشه الإيطالية مقارنة بالفرنسية، و هذه الأخيرة مقارنة بالإنجليزية. هذا لا يعني أن نتخلى عن العربية، و نعود إلى نقطة الصفر، و نقوم بما قام به العرب في عصر التدوين، ندون الدارجة لأنها لغة الأم، و نختارها لغة للتدريس و الكتابة ! تريد أن تعود بي القهقرى أربعة عشر قرنا إلى الخلف ! كيف لا أغضب و شخص غريب عن المجال يريد فرض رأيه الشخصي على المغاربة و على مستقبل البلاد، فقط لأنه يتوفر على قناة اتصال بأصحاب القرار، و يريد إلزام الدولة بالتدخل ؟ ! أنا من جهتي، لا أريد أن أشارك في هذه العملية الانتحارية. هذه هي عقيدتي في مواجهة هذه الشعوبية الجديدة، الشعوبية و ليس الشعبوية…

 

Publicités